صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
338
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
قبلك ؟ « 1 » . . ولاحظ عروة مبلغ تعظيم المسلمين للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وحبهم له وتفانيهم في طاعته ، فلما رجع إلى مكة ، قال لقريش : « أي قوم ، واللّه لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، واللّه ما رأيت ملكا قط ، يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمدا » « 2 » . وبعثت قريش بعد ذلك سيد الأحابيش ، الحليس بن علقمة الكناني ، فلما اقترب من معسكر المسلمين ورآه النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ هذا من قوم يتألّهون فابعثوا الهدي في وجهه حتّى يراه » « 3 » ، كما أمر المسلمين أن يلبّوا ، فلما رأى الحليس الهدي في قلائده ، وسمع تلبية المسلمين عاد أدراجه قبل أن يصل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك إعظاما لما رأى ، وقال لقريش : « رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت » « 4 » ، فكان جوابهم عليه أن طلبوا منه السكوت واتهموه بالجهل « 5 » ، وقد أنكر الحليس عليهم موقفهم وقال : « يا معشر قريش ، واللّه ما على هذا حالفناكم ، أيصدّ عن بيت اللّه من جاءه معظما له ؟ ! والذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد » ، فقالوا له : « كف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به » « 6 » . أرسل زعماء قريش مكرز بن حفص الذي وصفه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه « رجل فاجر » ، ثم أعقبوه بسهيل بن عمرو ، فتفاءل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقدومه قائلا لأصحابه : « لقد سهّل لكم أمركم » « 7 » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل » « 8 » ، وكانت قريش قد ألزمت سهيل بن عمرو أن « لا يكون في صلحه ( محمدا ) إلّا أن يرجع عنا عامه هذا ، فو اللّه لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا » ، فلما انتهى إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تكلم فأطال الكلام ، وتراجعا ، ثم جرى بينهما الصلح « 9 » . بدأ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يملي شروط الصلح ، وعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - هو كاتب الصحيفة « 10 » ، وأراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إعطاء عقد الصلح صبغة إسلامية فبدأه بالبسملة ، فاعترض سهيل قائلا : « ما ( الرحمن ) فو اللّه ما أدري ما هو ولكن اكتب ( باسمك اللهم ) كما كنت تكتب » ، ورفض المسلمون ذلك ، ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وافق على اعتراض سهيل ، ثم اعترض سهيل على عبارة « محمد رسول اللّه » التي وردت في صدر الصحيفة قائلا : « واللّه لو كنا
--> ( 1 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري - الأحاديث 2731 - 2732 ) ، أحمد - المسند 4 / 324 باسناد حسن . ( 2 ) مصادر الهامش السابق . ( 3 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري - حديث 2731 ) . ( 4 ) المرجع السابق ( الحديث 2732 ) . ( 5 ) ورد في الرواية الصحيحة قولهم له : « اجلس ، إنما أنت أعرابي لا علم لك » ، مع أنهم كانوا قد أوفدوه ليفاوض نيابة عنهم . ( 6 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري - الأحاديث 2731 ، 2732 ) . ( 7 ) المرجع السابق ( الأحاديث 2731 - 2732 ) . ( 8 ) المرجع السابق نفسه ، وانظر ابن هشام - السيرة 3 / 439 من حديث برواية ابن إسحاق وبإسناد حسن . ( 9 ) البخاري - الصحيح ( الأحاديث 2731 - 2 ) ، ابن هشام - السيرة 3 / 439 . ( 10 ) صرح بهذه التسمية الشيخان ( البخاري - الصحيح حديث 2698 - 2699 ، مسلم - الصحيح 3 / 1410 حديث 1783 ) .